ابن أبي الحديد
306
شرح نهج البلاغة
ما يتذاكران من أمرها : إن كنت صادقا ، فقل لها : فلتدهنك بدهن النجاشي الذي لا يدهن به غيره ، فإني أعرفه ، وائتني بشئ منه حتى أصدقك ، قال : أفعل . فجاء في بعض ما يدخل إليها ، فسألها ذلك ، فدهنته منه ، وأعطته شيئا في قارورة ، فلما شمه عمرو عرفه ، فقال : أشهد أنك قد صدقت ! لقد أصبت شيئا ما أصاب أحد من العرب مثله قط ، [ ونلت من ( 1 ) ] امرأة الملك [ شيئا ( 1 ) ] ما سمعنا بمثل هذا . وكانوا أهل جاهلية وشبانا ، وذلك في أنفسهم فضل لمن أصابه وقدر عليه . ثم سكت عنه ( 2 حتى اطمأن ، ودخل على النجاشي 2 ) ، فقال : أيها الملك ، إن معي سفيها من سفهاء قريش ، وقد خشيت أن يعرني ( 3 ) عندك أمره ، وأردت أن أعلمك بشأنه ، وألا أرفع ذلك إليك حتى أستثبت أنه قد دخل على بعض نسائك فأكثر . وهذا دهنك قد أعطته وادهن به . فلما شم النجاشي الدهن قال : صدقت ، هذا دهني الذي لا يكون إلا عند نسائي ، فلما أثبت أمره ، دعا بعمارة ، ودعا نسوة أخر فجردوه من ثيابه ، ثم أمرهن أن ينفخن في إحليله ، ثم خلى سبيله . فخرج هاربا في الوحش ، فلم يزل في أرض الحبشة ، حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب ، فخرج إليه رجال من بنى المغيرة ، منهم عبد الله بن أبي ربيعه بن المغيرة ، وكان اسم عبد الله قبل أن يسلم بجيرا ، فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله ، فرصدوه على ماء بأرض الحبشة ، كان يرده مع الوحش ، فزعموا أنه أقبل حمر من حمر الوحش ليرد معها ، فلما وجد ريح الانس ، هرب منه ، حتى إذا أجهده العطش ، ورد فشرب حتى تملأ ، وخرجوا في طلبه .
--> ( 1 ) تكملة من الأغاني . ( 2 - 2 ) الأغاني : ( حتى إذا اطمأن دخل على النجاشي ) . ( 3 ) عره : لطخه بالعيب ، وفى ا : ( يغيرني ) ، وما أثبته عن الأغاني .